الانطباع الأول... والانطباع الأخير(1)

تُذهلني قدرة بعض الناس ومنهم المترجمين على إعطاء إنطباع اولي بالقدرة والتمكن، الذي لا يدوم طبعاً وذلك لأن العمل سيظهر على حقيقته فور بدء الترجمة. هناك أيضاً عادات سيئة توحي بعدم القدرة على العمل ضمن فريق، وهذا من خصائص المترجم التحريري وبعض المترجمين الفوريين الذي يمضون حياتهم في العمل بمفردهم.



عملت اليوم في الترجمة الفورية لملتقى لجهة ما، لم أعرف موضوع ولا حتى عنوان الملتقي لحين وصولي الى موقع الحدث في مسرح بلدية العين (خطأ من العميل). موقع كابينة الترجمة في أعلى قاعة السينما في أحد كابينات عرض الأفلام سابقاً، غرفة صغيرة ومكتظة بالأجهزة القديمة تستخدم كمستودع مهجور، تم تنظيفه على عجل ووضع معدات حديثة من شركة المعدات. كوة زجاجية لا ترى منها إلا سقف القاعة ورؤوس الصف الأول من الحضور وخشبة المسرح بالطبع. 


قمت على الفور بالتعرف على زميل فاضل، حيث قام مشكوراً بإعطائي محاضرة تقديمية باللغة العربية للمتحدثة الرئيسية، وطفقت أمطره بالأسئلة حول المصطلحات والاختصارات والمفاهيم، وتفضل بالإجابة عن جميع الأسئلة.  لربما أعطاه هذا انطباع خاطئ بعدم تمكني من الترجمة لكن "المياه تكذب الغطاس".

الزميل متمكن نوعاً ما من الترجمة خصوصاً انها في نطاق عمله، لكن المترجم الفوري لا يمكنه العمل بشكل متواصل لأكثر من فترة  محدودة تبدأ بعدها الكلمات تتفلت منه وتتزايد الوقفات ويصيبه الإنهاك. من عادتي الأ أقاطع زميلي وعدم إرباكه أثناء العمل، سواء بالكتابة أو العبث، ولا أقوم بتدقيق كل كلمة يتفوه بها ما دام يقوم بتوصيل المعلومة المطلوبة، حتى لو استخدم مصطلحات مختلفة. إلا في حال كان المصطلح أساسياً فأقوم بكتابته على ورقة وتمريرها له.

لاحظت على ترجمته الفورية من الانجليزية للعربية أنها تحتوي مشاكل خاصة باللفظ ومخارج الحروف خاصة لتغلب اللهجة المصرية على مخارج بعض الحروف كنطق حرف "الذال" "زاي" فيقول : اللزي، بدلاً من الذي، وغيرها من اللهجات المصرية الدارجة. 

أما من العربية الى الإنجليزية فالمشاكل كانت اكبر حيث استبدال أحرف بأخرى مثلاً( This تلفظ Zes)،  وإضافة أصوات علة على بعض الكلمات مثل (Against تلفظ Againest )، أو (pages تلفظ peegiz).

لا أجد عذراً لمترجم في عدم العمل على تطوير نفسه وتحسين لغته ولفظه في اللغتين. لما لا تقوم بتسجيل نفسك أثناء الترجمة والاستماع لذاتك، او القيام بطلب تقييم من آخرين.  

من الأمور التي غلبت على تصرفات الزميل في الكابينة هي مقاطعتي باقتراح كلمات قبل أن أتمكن من لفظها بصوت عالِ، هذا خطأ كبير فصوت زميلك يصحح لك يظهرلدى الجمهور ويعطي انطباع خاطئ عن مستوى المترجم المتحدث. طلبت منه كتابة ما يقترحه على ورقة وعدم التحدث أبداً أثناء قيامي بالترجمة.

إلا أن هذا تحول لمشكلة ثانية حيث كان يكتب مقترحه بطريقة فيها حدة وباستخدام الورقة التي أمامي وعلى الدوام، ينبغي قيامه بذلك بهدوء وفقط في حالة الحاجة القصوى، لم يعرف هذا المترجم أن لكل مترجم قاموسه الخاص الذي يستخدمه للتعبير وأسلوب بناء للجملة يعتمد على ثقافته وخبرته وسعة ممارسته للمهنة، فلا تتوقع من زميلك أن يكون ببغاء لأفكارك وأسلوبك، وفي حال إطمئنانك الى إجادته لعمله، عليك الكف عن متابعته والاكتفاء بالاصغاء وتقديم المشورة له عند الطلب. طبعاً ضقت ذرعاً بالأمر وقمت بسحب جميع الأوراق ولم اترك له شيء يكتب عليه فتوقف عن المحاولة.

بعد ذلك قام بأخذ دوره، وبعد قليل ارتبك بسبب عطل فني أصاب جهاز الترجمة أمامه بسبب عبثه به عن طريق الخطأ، فاستلمت مكانه. لم يعرف كيف يتصرف فخرج ربما للبحث عن الفني في الطابق الأرضي ونحن في الثاني، وعاد بلا فائدة، فأعطيته هاتفي حيث خزنت به رقم الفني للاتصال به في حال الطواريء. 

جلس بعد ذلك يعبث بالكتابة بالقلم على لوح خشبي على الحائط بجانبه، المزيد من الإزعاج....

لم أفعل معه ما قام بفعله معي، وذلك لأنه رغم كل الأخطاء التي ارتكبها كانت الرسالة تصل بوضوح إلى حد ما أثناء قيامه بدوره وتمكن الحضور من فهم ما يقال والتفاعل سواء بطرح الأسئلة او تقديم الإجابات على الاستفسارات. 

في نهاية الحدث، شكرته وسألته هل أنت معتاد على العمل مع زميل في كابينة الترجمة، كأسلوب لتنبيهه إلى ما قام به، فأجاب نعم، لكن مع أشخاص محددين فقط.  

هذا بعض ما حصل معي اليوم، أحببت مشاركته معكم للفائدة وليس للتشهير بالمترجم الفاضل..

Comments

Popular posts from this blog

كيف تبدأ في العمل كمترجم مستقل؟ (1)

Still I Rise ما زلت أنهض